الشيخ الطبرسي

354

تفسير مجمع البيان

عبادة ربه ، فشغله الفكر في أمرها عن بعض نوافله ، فعوتب . وخامسها : إنه عوتب على عجلته في الحكم ، قبل التثبت ، وكان يجب عليه حين سمع الدعوى من أحد الخصمين ، أن يسأل الاخر عما عنده فيها ، ولا يحكم عليه قبل ذلك . وإنما أنساه التثبت في الحكم فزعه من دخولهما عليه في غير وقت العادة . وأما ما ذكر في القصة أن داود كان كثير الصلاة ، فقال : يا رب فضلت علي إبراهيم ، فاتخذته خليلا ، وفضلت علي موسى ، فكلمته تكليما ، فقال : يا داود ! إنا ابتليناهم بما لم نبتلك بمثله ، فإن شئت ابتليتك . فقال : نعم يا رب فابتلني . فبينا هو في محرابه ذات يوم ، إذ وقعت حمامة ، فأراد أن يأخذها ، فطارت إلى كوة المحراب ، فذهب ليأخذها ، فاطلع من الكوة ، فإذا امرأة أوريا بن حيان تغتسل ، فهويها وهم بتزويجها ، فبعث بأوريا إلى بعض سراياه ، وأمر بتقديمه أمام التابوت الذي فيه السكينة ، ففعل ذلك ، وقتل . فلما انقضت عدتها تزوجها ، وبنى بها ، فولد له منها سليمان . فبينا هو ذات يوم في محرابه يقرأ ، إذ دخل عليه رجلان ، ففزع منهما ، فقالا ( لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض ) إلى قوله : ( وقليل ما هم ) . فنظر أحد الرجلين إلى صاحبه ، ثم ضحك . فتنبه داود على أنهما ملكان بعثهما الله إليه في صورة خصمين ، ليبكتاه على خطيئته ، فتاب وبكى حتى نبت الزرع من كثرة دموعه . فمما لا شبهة في فساده ( 1 ) ، فإن ذلك مما يقدح في العدالة ، فكيف يجوز أن يكون أنبياء الله الذين هم أمناؤه على وحيه ، وسفراؤه بينه وبين خلقه ، بصفة من لا تقبل شهادته ، وعلى حالة تنفر عن الاستماع إليه ، والقبول منه ؟ جل أنبياء الله عن ذلك . وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : لا أوتى برجل يزعم أن داود تزوج امرأة أوريا ، إلا جلدته حدين : حدا للنبوة ، وحدا للاسلام . وقال أبو مسلم : لا يمتنع أن يكون الداخلان على داود ، كانا خصمين من البشر ، وأن يكون ذكر النعاج محمولا على الحقيقة دون الكناية ، وإنما خاف منهما لدخولهما من غير إذن ، وعلى غير مجرى العادة . وإنما عوتب على أنه حكم بالظلم على المدعى عليه قبل أن يسأله .

--> ( 1 ) جواب ( أما ) في قوله " وأما ما ذكر في القصة أن داود . . . " .